ائتلاف في لبنان للمحاسبة على الانهيار المالي… فهل ينجح؟

يصر المودعون في المصارف اللبنانية على تحصيل حقوقهم، وقد اكتسب مطلبهم زخماً إضافياً بفعل عاملين: الأول يتصل بالوفود القضائية الأوروبية التي زارت البلاد خلال الأسبوع الماضي للتحقيق مع عدد من كبار المسؤولين المصرفيين في قضايا تبييض أموال. أما الثاني فهو المبادرة التي أطلقها ائتلاف عريض من المجتمع المدني والحقوقي تحت عنوان كبير هو “محاسبة المسؤولين عن الأزمة المالية”.

وفي وقت يستند التحرك الأول إلى سلطة القانون في بلدان المحققين القادمين من لوكسمبورغ وألمانيا وفرنسا، يطرح سؤال الفاعلية نفسه في الحال اللبنانية التي لم تشهد إجراءات فاعلة طوال ثلاث سنوات من الأزمة، على رغم انهيار القدرة الشرائية للعملة الوطنية بمعدل 95 في المئة بفعل تداخل المصالح السياسية والمالية، والحصانات التي يتذرع بها بعض المسؤولين.

وبين هذا وذاك، تستمر محاولات مصرف لبنان تهدئة روع المودعين الذين احتجزت ودائعهم المصرفية من دون وجه حق فأصدر، مساء الجمعة 20 يناير (كانون الثاني)، سلسلة تعاميم تقضي بالسماح للمودعين في المصارف بدءاً من أول فبراير (شباط) 2023 بسحب 400 دولار فريش من البنك، إضافة إلى 400 دولار بسعر صرف 15 ألف ليرة لبنانية، أي إنه رفع قيمة الحصة المحددة من ثماني آلاف إلى 15 ألف ليرة لبنانية، في وقت يستمر دولار السوق الحرة بالارتفاع وقد حطم الرقم القياسي السابق وتجاوز سقف 50 ألف ليرة، الأمر الذي يشكل انهياراً تاريخياً للعملة اللبنانية التي كانت تعتمد سعراً ثابتاً للصرف هو 1515 ليرة لبنانية منذ عام 1992.

مبادرة أولى للمحاسبة

من معهد العلوم الاجتماعية في جامعة القديس يوسف، أطلق تحالف الجمعيات الحقوقية الخطوط العريضة لرؤيته للحل انطلاقاً من تطبيق مبدأ المحاسبة. وحدد الائتلاف الذي تنضوي فيه كل من “الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين”، و”كلنا إرادة”، ومرصد “حقوق المودعين”، ومرصد الوظيفة العامة والحكم الرشيد في جامعة القديس يوسف، و”المفكرة القانونية”، خمسة مداخل للمحاسبة بعد ثلاث سنوات من أزمة الانهيار المالي هي: التدقيق في الحسابات المصرفية لتحديد الودائع المؤهلة للاسترداد، والتدقيق الجنائي لتحديد المسؤوليات، وتعيين هيئة مصرفية مستقلة لقيادة خطة إعادة هيكلة المصارف وحوكمة جديدة للقطاع المالي، وتجميد إدارات المصارف الحالية والحجز على أصولها ريثما تقر خطة إعادة الهيكلة، ومحاسبة صناع القرار في القطاع المالي.

وحددت المبادرة الفئة المستهدفة من المحاسبة، وهي: صناع القرار في الحكومات المتعاقبة، والمسؤولون في القطاع العام والمصرف المركزي، ومجالس إدارة المصارف ومديروها التنفيذيون والمدققون، فضلاً عن السلك القضائي والأجهزة الأمنية لجهة الاستقصاء عن أي تقاعس أو تواطؤ محتمل، إضافة إلى المجالس النيابية المتعاقبة وأعضائها غير المستثنين من المسؤولية السياسية.

المسار المستقبلي

يمكن وصف الخطوط العريضة لهذه المبادرة بـالجذرية والانقلابية في مفهوم علم الاجتماع السياسي في لبنان، حيث يستند المسؤولون إلى ممارسة تاريخية راسخة، تقوم على تكامل النفوذ السياسي والمالي وسط غياب شبه تام لقيم الحوكمة الرشيدة والشفافية، لكن هذا الأمر لا يشكل حائلاً دون سعي الائتلاف الحقوقي لتطبيق روح القانون ونصه.

يؤكد المحامي كريم ضاهر (الجمعية اللبنانية لحقوق المودعين) أن المبادرة جاءت لتضع الإطار العام الواجب اعتماده مستقبلياً عند مقاربة أي تشريع جديد، سواء كان يهدف لتوزيع الخسائر أو إعادة هيكلة المصارف أو غيرها، لأنها تحدد مكامن الخلل في التعاطي، مشيراً إلى أن الخلاف على تلك المبادئ هو الذي يحول حتى الآن دون المضي قدماً في مسار الحل والإصلاح.

التشريع الرديف

ينوه ضاهر بالدور الذي يلعبه الائتلاف لناحية ممارسة الرقابة والتوجيه في جميع المحطات السابقة، مذكراً بأنه عند دراسة “السرية المصرفية” كانت هناك مساهمة في الإضاءة على أوجه الخلل في القانون المعدل، مما أدى إلى رده وإعادة دراسة الملاحظات التي اقتنع صندوق النقد الدولي بجدارتها، متحدثاً عن “شوائب حاول المشرع تمريرها في القانون الجديد بهدف تعطيله ومنع رفع السرية المصرفية”.

ويتابع أن هناك حملة لمواجهة “اقتراح الكابيتال كونترول” الذي تدرسه اللجان المشتركة، كما أن الجهد لا يقتصر على الاعتراض الجوهري، وإنما انصب على وضع مسودة قانون رديفة تراعي الملاحظات والنقاط القانونية التي يلتزمها التحالف، مؤكداً أنه “تم إرسال المسودة إلى النواب ونائب رئيس مجلس النواب ولم يتم الأخذ بها، لكن بعض النواب حاولوا تمرير تعديلات انطلاقاً منها”.

ويلفت إلى أن نقابة المحامين في بيروت أعدت اقتراح قانون جديد سيتقدم به مجموعة من النواب، لدراسته بصورة موازية لما تطرحه اللجان المشتركة.

يجزم ضاهر بأن الاعتراض الأساس يأتي من الاختلاف في النظرة إلى “الكابيتال كونترول”، لأنه “يجب أن يأتي ضمن سلة تتضمن أيضاً قانون إعادة هيكلة المصارف، لأنه لا يمكن دراسة كل قانون من القانونين بصورة مستقلة ومنفصلة عن الآخر”، مضيفاً أن هذه القوانين في حد ذاتها غير كافية في غياب الأرقام، من هنا جاءت المطالبة بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

من سيقدم الأرقام؟

أدرك الائتلاف الدور المعرقل الذي قد تلعبه البنى القائمة في الحكم والإدارات المالية والمصرفية، لذلك يتحدث ضاهر عن مسؤولية جماعية تقع على عاتق الحكومات المتعاقبة، والمجالس النيابية، والهيئة المصرفية العليا في مصرف لبنان، والمجلس المركزي، ولجنة الرقابة على المصارف، وجمعية مصارف لبنان، بالتالي لا بد أن يخضع للمحاسبة كل من يظهره التحقيق في مختلف العهود سواء كان فاعلاً أو مشاركاً أو محرضاً.

ويشرح كريم ضاهر المسار المفترض اتباعه، بدءاً بتحديد الودائع المشروعة وغير المشروعة، لأن ذلك سيؤدي إلى تضاؤل فجوة الخسائر المحددة بـ72 مليار دولار، “وقد نصل إلى 30 مليار دولار، مما يرفع حجم المبالغ التي يمكن ردها إلى المودعين”.

وتطرق إلى “وجود ودائع عائدة لأنظمة سياسية بائدة على غرار نظام البعث وصدام حسين في العراق، وهي مبالغ بالمليارات ولا يمكن استخدامها لأنها متأتية من أعمال غير مشروعة، كما يساعد هذا الأمر على استرداد الأموال المحولة إلى الخارج من دون وجه حق، وإمكانية استردادها وضمها إلى صندوق إعادة تكوين الودائع واستردادها”.

يقود ذلك إلى الخطوة التالية وهي “التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وباقي الإدارات العامة”، حيث تمت عرقلة عمل الشركة المحاسبية الدولية، وعلى رغم توقيع العقود ودفع الأجور، فإن المهلة انقضت من دون نتائج حاسمة”، بحسب ضاهر الذي يلفت إلى أن الائتلاف يهدف إلى الدفع لتوسيع نطاق التدقيق وعدم حصره بالمصرف المركزي، وإنما شموله الأرباح المتأتية عن العقود الموقعة مع الدولة والوزارات.

وينبه إلى أن حكومة الرئيس حسان دياب وضعت آلية للتدقيق في تلك العقود، وتفرض استمرارية الحكم تطبيق القرارات أربعة و17 بتاريخ 12 مايو (أيار) 2020 التي وضعت خريطة الطريق للتدقيق والمحاسبة. وسيسمح ذلك الأمر باكتشاف المستفيدين من الهندسات المالية، وحجم الفوائد والأرباح خلال السنوات الماضية بدءاً بـ2014 وحتى اليوم.

ويرتب على ذلك بالضرورة تغيير المسؤولين عن مصرف لبنان، والمصارف والحوكمة المالية، وترتيب المسؤولية السياسية. حول هذا الأمر يقول ضاهر “يجب أن نصل إلى إدارة جديدة عند تطبيق إعادة هيكلة المصارف و(الكابيتال كونترول)، وأن تكون منفصلة عن تلك المسؤولة على الأزمة الراهنة”.

بعدها لا بد من إكمال المسار بتغيير إدارات المصارف المسؤولة عن تبديد أموال المودعين. وهنا يشير ضاهر إلى وجود القانون 2/67 الذي يسمح بتعيين لجان إدارية جديدة للمؤسسات، سواء كان مصيرها التصفية أو إعادة الهيكلة، وأن تشكل الهيئة من شخصيات تمثل الدائنين والمودعين، إضافة إلى متخصصين في الإدارة المالية، وتقوم بالحجز على أموال المديرين وأعضاء مجالس إدارة المصارف في لبنان والخارج.

ورداً على سؤال حول تنسيق المهن الحرة لتقديم دعاوى ضد مجالس إدارة المصارف عن الودائع المحتجزة، يوضح أن بعض النقابات تتقدم بدعاوى كنقابة المحامين، فيما وجهت نقابة المهندسين الإنذارات، لكن تأخرت إجراءات الدعاوى بفعل اعتكاف القضاة، كاشفاً عن أن بعض المصارف التي لن تكون هناك دعاوى نقابية بوجهها سيتقدم مودعون بدعاوى ضدها لتعيين مجالس إدارة مؤقتة، حيث سنصل إلى سلسلة دعاوى تشمل مختلف المصارف.

ويوضح أنه في موازاة التحقيق مع إدارات المصارف، سيسلك التحقيق مع المسؤولين السياسيين مساره بموجب قانون مكافحة الفساد وإنشاء الهيئة الوطنية رقم 175 لعام 2020، وقانون الإثراء غير المشروع رقم 189 لعام 2020، وقانون 214 لعام 2021 وموضوعه استرداد الأموال المتأتية عن أعمال الفساد، وهذه القوانين تلزم المسؤولين والموظفين العموميين بتقديم تصاريح للذمة المالية من رأس الدولة إلى أسفل الهرم في الإدارة العامة (الفئة الرابعة وما فوق)، وصولاً إلى رفع السرية المصرفية عنهم وتدقيق أوضاعهم من قبل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

ويتمسك ضاهر بنظرية المسار القانوني المتكامل، الذي يعتمد على جهود عدد من رجال القانون الذين لعبوا دوراً مسانداً للقضاة الأجانب الذين حضروا إلى بيروت بعد كشف المستور.

المسار القانوني والفاعلية

يقود المسار القانوني إلى السؤال حول “الفاعلية” لدى المجتمع المدني في مواجهة النظام المتجذر في الإدارة السياسية والمالية للبلاد. يؤكد ضاهر أن الفاعلية تأتي من خلال الضغط على المسؤولين في مراكز القرار الداخلية والخارجية، سواء اتخذت شكل تعريتهم أمام قواعدهم الشعبية أو من خلال كشف ملفاتهم في الإعلام أو الدعاوى القضائية.

ويدعو ضاهر إلى “الالتفات إلى خطوة البرلمان البلجيكي الذي قرر إصدار عقوبات ضد المسؤولين اللبنانيين المتسببين في الانهيار وأحالها إلى البرلمان الأوروبي، وكل هذا جاء نتيجة العمل الذي تولته مجموعات الضغط، الأمر الذي سيقود إلى فضح السياسيين اللبنانيين ويكشف حجم أموالهم ومصدرها”.

في مقابل ذلك، تبقى إمكانات العرقلة داخلياً ممكنة، على غرار تعطيل التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت منذ أكثر من عام عبر دعاوى الرد والمخاصمة، أو التحجج بمحاكمة الرؤساء والوزراء أمام الهيئة الخاصة بهم.

ضاهر يؤكد أنه “لا مشكلة في ذلك، لأنك ستكون قد كشفتهم أمام الرأي العام ومناصريهم والمجتمع الدولي. فمن سيتعاون معهم آنذاك؟ وإلى متى يمكن أن يستمر لبنان على هامش المجتمع الدولي كما هو اليوم، محروماً من التمويل والدعم؟”.

وخلص إلى أن “النتيجة المرجوة تحتاج إلى نفس طويل، لأن المسؤولين متحكمين بكل شيء. والخطوة التي بدأها الائتلاف أفسحت باب الأمل لدى الناس في إمكانية المحاسبة”.   

يلفت ضاهر إلى أن “التحقيق مع حاكم مصرف لبنان فتح الباب أمام سيناريو عدم إكماله ولايته إلى يوليو (تموز)، واحتمال تعيين نائب حاكم المصرف كمدير مؤقت”، منوهاً أنه “عند مباشرة التحقيقات فإن سيف العدالة لن يتوقف، بل سيستمر ويحدث أثر الدومينو”، كما يتحدث عن “وصول القضاء الأوروبي إلى مراحل متقدمة في التحقيقات، وستبدأ قريباً مرحلة المحاكمات التي قد تطال شخصيات كبيرة ضالعة بتبييض الأموال”، مضيفاً “جاء القضاة وبحوزتهم ملفات هي خلاصة جهد سنتين مضيتا، بحثاً عن إجابات عن أسئلة محددة، وعند العودة إلى بلدانهم سيطلقون المحاكمات”.




لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة