الأخصاصي يبرز دور الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمستقبل المغرب

قال السفير محمد الأخصاصي إن “فئة الشباب المغربي تمثل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة لحاضر المغرب ومستقبله”، مشيرا إلى أن “الوزن الديموغرافي للشباب بالمغرب يظل وازناً ومؤثراً في الوقت الحاضر، وأكثر أهمية وتأثيراً في المستقبل”.

وبعدما أشار إلى أن الأغلبية الساحقة من الشباب غير راضية عن شروط حياتها، حاول الأخصاصي، في مقال له بعنوان “الشباب في حاضر المغرب ومستقبله”، التفصيل في سمات البطالة المستشرية في صفوف الشباب، قبل أن يقدم مجموعة من المقترحات التي يمكن أن “تشكل مدخلاً مناسباً لرؤية أكثر شمولية، ولمقاربة أعمق تناولاً للإشكالية التي باتت تقض مضجع شباب اليوم والغد”.

هذا نص المقال:

تمثل فئة الشباب المغربي رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة لحاضر المغرب ومستقبله.

I/ وعلى الرغم من أن مدلول الشباب، ديموغرافياً، يظل فضفاضاً في التعريفات الديموغرافية عموماً(1)، فإن الوزن الديموغرافي للشباب بالمغرب يظل وازناً، مؤثراً، في الوقت الحاضر، وأكثر أهمية وتأثيراً في المستقبل(2).

وحسب تقرير للأمم المتحدة (2019)، فإن نسبة عالية من الشباب المغربي (%43) تقل أعمارهم عن 25 سنة، وأن %15,8 من هؤلاء تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وأن نسبة الشباب المغربي في المستقبل تُمثل أكبر المجموعات العمرية في البلاد.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تعريف فئة الشباب، كما اعتمده تقرير وطني(3)، فإن مدلول الشباب يركز على الفئة العمرية التي تُدمج الأشخاص من 15 إلى 24 سنة في هذه الفئة. بيد أن ما هو جدير بالاهتمام والتمعن أن فئة الشباب ستبلغ عددياً، في أفق 2030، نحو %40,1 من ساكنة المغرب، في سياق نمو سنوي متوسط، “أقل ارتفاعاً”، بنسبة %0,5، مما يرفع أعداد الشباب إلى مستوى 15,3مليون نسمة.

ويطرح هذا التحول- بالرغم من محدوديته الكمية- في الخريطة الديموغرافية للمغرب مُساءلات حادة، لكنها موضوعية، حول ما ينبغي توفيره من شروط إدماج هذا الكم المعتبر من شباب البلاد، باعتباره ثروة زاخرة، يتعين استثمارها، بعناية ورعاية، في التنمية المستدامة للبلاد.

II/ وغني عن الإشارة، فإن تقرير “النموذج التنموي الجديد” صاغ توصيات هامة حول أولوية تكوين وتأطير هذا الركن الحيوي من أركان التنمية البشرية للبلاد، الشباب، لكن ما ينبغي التأكيد عليه، في هذا الصدد، هو ضرورة استبصار، بدقة وتمعن، صُلب ما يترقبه الشباب من إصلاحات وإجراءات تأخذ بعين الاعتبار تطور إدراكاتهم للحقائق الاجتماعية، واتساع دائرة انتظاراتهم لشروط وآليات إدماجهم، وحدة انشغالاتهم المشروعة إزاء المستقبل.

وقد ازدادت حدة الطموحات والانشغالات لدى الشباب ببلادنا في ظل ما عرفته هذه الفئة العمرية من الساكنة المغربية من تحسن ملحوظ في مجال التربية والتعليم، وعلى مستوى النظام الصحي والحماية الاجتماعية، في سياق ما عرفته البلاد من دينامية متسارعة الوتيرة في مجال التنمية البشرية، منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي.

وحسب تقرير لِـ”المرصد الوطني للتنمية البشرية”(1) (ONDH)، فإن الهشاشة الاجتماعية سرعان ما عادت لتأخذ بخناق فئة الشباب منذ اندلاع الأزمة الصحية بصفة خاصة. ويخلص التقرير إلى أن الشبيبة المغربية تشكل إحدى المجموعات الاجتماعية بالبلاد الأكثر عرضة لتحديات سياسية، بل، وبصفة خاصة، لتحديات اقتصادية واجتماعية(2).

III/ ويبدو أن الأغلبية الساحقة من الشباب غير راضية عن شروط حياتها، في ظل ما باتت تواجهه من تحديات خلال الفترة الحرجة من حياة الشباب التي ينتقلون فيها من مرحلة الفتوة إلى مرحلة الرجولة. وفي مقدمة هذه التحديات الطموح إلى “الاستقلالية” الاقتصادية(3)، وإلى مستوى تعليمي- تكويني أنسب، من شأنه تعزيز فرص الاندماج في سوق الشغل(4).

وارتباطاً بإشكالية الشغل التي تقض مضجع شباب اليوم، فإن بطالة هؤلاء ازدادت استفحالاً، منذ سنة 2019، لتبلغ نسبتها %46,7، سنة 2021، في المجال الحضري(5).

واستناداً إلى المعطيات الإحصائية التي نشرتها “المندوبية السامية للتخطيط”، فإن أزمة البطالة التي تعاني منها طائفة من الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 24 سنة- وهي التي تمثل %16,2 من ساكنة المغرب- باتت فادحة ومقلقة(1).

وتزداد المعضلة تعقيداً إذا ما علمنا أن نسبة %64,6 من هؤلاء الشباب في حالة بطالة، يتوفرون على دبلوم عال.

وإجمالاً، فإن نسبة من يمارسون شغلاً من شباب الفئة العمرية 15 إلى 24 سنة- وهي الفئة التي يبلغ تعدادها 5,9 ملايين نسمة- لا تتجاوز %16,3، وأن نسبة %76,1، أي نحو أربعة ملايين ونصف، توجد خارج سوق الشغل، أي ما يساوي ثلاثة أرباع هذه الفئة العمرية(2).

ويُستخلص من المعطيات الكمية لإشكالية الشغل لدى الشباب من الفئة العمرية ذاتها أن البطالة المستشرية في صفوف هؤلاء الشباب تتميز بسمات خمس:

أولاها، أن وتيرة انتشارها أسرع في أوساط الشباب، بالقياس إلى استشرائها في المجموع الوطني(3)؛

ثانيتها، أنها أكثر استشراءً في المجال الحضري منها في المجال القروي(4)؛

ثالثتها، أن نسبة البطالة لدى الإناث أعلى منها لدى الذكور(5)؛

رابعتها، أنها أكثر انتشاراً لدى الشباب الحاصل على دبلوم من مستوى عال، وأقل انتشاراً لدى الحاصلين على دبلوم من مستوى متوسط، وأقل بكثير في صفوف الشباب غير الحاصلين على أي دبلوم(6).

خامستها، أن بطالة الشباب من الفئة العمرية ذاتها تمثل مدى أطول: سنة أو أكثر من مثيلتها في المجموع الوطني.

IV/ وتشي مؤشرات أزمة التشغيل واستشراء البطالة في صفوف الشباب بواقع “التباطؤ” الحاصل في دينامية “التنمية البشرية”. فحسب تقرير صادر عن “المرصد الوطني للتنمية البشرية”(1)، فإن الهشاشة الاجتماعية التي باتت تطال %88,5 من الشباب تعود أساساً إلى هشاشة الشغل.

فقد ظهرت بوادر التباطؤ منذ سنة 2016 وتفاقمت خلال سنة 2022، تحت تأثير الأزمة الصحية “كوفيد- 19” على النمو الاقتصادي ومستوى التشغيل وكذا مداخيل الأسر غير المشتغلة(2).

وفي سياق الصعوبات التي تتخبط فيها شبيبة المغرب، وتدفع بها إلى حالة من الهشاشة والتهميش، فإن %28 من شباب الفئة العمرية 15-24 سنة أصبحت مسيجة في خانة “صفرية”: لا دراسة، ولا شغل، ولا تكوين (NEET)(3). أما الشباب الذين أتيحت لهم فرصة الشغل، فإن %94 منهم يشتغلون في “القطاع غير المهيكل” الذي يساهم في الناتج الداخلي الخام بـ %11,5 سنة 2016(4).

وإزاء هذه الوضعية المعقدة، فإن أسبابها “الماكرو- هيكلية” تعود -حسب الباحثين في الموضوع- إلى ثلاثة عوامل:

أولها، غياب المساواة بين الجنسين، مما يفاقم تباطؤ وتيرة التنمية البشرية، إذ “لو كانت النساء متساويات مع الرجال في مستوى التنمية” لما انزلق مؤشر التنمية البشرية للشباب نحو الحضيض؛

ثاني العوامل، عدم التطابق بين الكفاءات المكتسبة لدى اليد العاملة خلال تكوينها، وبين انتظارات سوق الشغل؛

ثالث العوامل، وينصب على عجوزات أنظمة التكوين المهني، التي لم ترتق بعد إلى مستوى ما يتطلبه التطور الصناعي والزراعي والخدماتي بالبلاد من كفاءات تقنية وتكنولوجية متساوقة ومتناغمة.

ومما لاشك فيه فإن هذه الأوضاع المقلقة للشباب تساهم في تبرمهم من المؤسسات السياسية للبلاد، الحكومية، والتشريعية والاجتماعية، وأضحوا لا يعلقون آمالاً كبيرة على دورها المتوخى في معالجة إدماجهم في سوق الشغل.

وهو أمر يبعث على القلق، إذ أن نسبة ثقة الشباب في حكومة بلادهم لا تتعدى %17 في صفوف الفئة العمرية 18 إلى 29 سنة، وهي نسبة ضعيفة بالقياس إلى نسبة المجموع الوطني الذي عبر عن ثقته في حكومة بلاده (1) (%29).

أما حظ البرلمان من ثقة الشباب فلا يتجاوز %13؛ وحظ الأحزاب السياسية لا يتجاوز (2)%18.

وحسب المصدر نفسه، فإن ضعف ثقة الشباب في مؤسسات بلادهم السياسية يعود إلى ثلاثة أسباب أساسية: عدم الاستقرار الاقتصادي، البطالة المرتفعة في صفوف الشباب وغزو الرشوة لأجهزة الدولة(3).

V/ ويمكن أن تشكل المقترحات التالية مدخلاً مناسباً لرؤية أكثر شمولية، ولمقاربة أعمق تناولاً للإشكالية التي باتت تقض مضجع شباب اليوم والغد.

أولاً، إرساء السياسة العمومية لمعالجة عميقة وناجعة لمشاكل الشبيبة المغربية، على مقاربة “تركيبية”، مندمجة ترصد وتستدمج مختلف العناصر المؤثرة في الوضع الشبيبي: المعيار الديموغرافي (الفئة العمرية)/ العامل الاجتماعي (الوسط الاجتماعي)/ العامل المرتبط بنوع الجنس (ذكر/أثنى)/ المستوى الدراسي/ الوضع الأسري الخ…؛

ثانياً: التصدي بفعالية للهشاشة الاجتماعية التي تُطارد، بنسبة %88,5 من الشباب، بسبب هشاشة الشغل؛

ثالثاً، ضرورة استبصار سلوكيات هذه الشريحة الهامة من الساكنة المغربية (الشباب)، واستكناه طموحاتها، وانشغالاتها، وطريقة إدراكها للحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛

رابعاً، تعزيز فعالية الاستثمارات في التنمية البشرية عبر “تنمية دعم الولوج إلى التربية وإلى مصادر الدخل الموجه إلى الساكنة في وضع الفقر المدقع والإقصاء الاجتماعي”(1).

خامساً، إصلاح أنظمة التكوين المهني، التقني والتكنولوجي، في اتجاه معالجة جذرية وشاملة للخلل المستحكم بين عرض التكوين وحاجيات سوق الشغل من جهة، والتركيز على أولوية التكوينات الضرورية للإدماج في سوق الشغل من جهة أخرى.

ومن الأهمية بمكان التذكير- في هذا المضمار- أن الشباب، من مختلف الفئات العمرية(2)، يمثلون أكثر الشرائح المجتمعية ارتباطاً بمستقبل البلاد وبمسار “التنمية البشرية” فيه، لكن هشاشتهم الاجتماعية تفاقمت بحدة متناهية، منذ اندلاع أزمة “كوفيد- 19” بصفة خاصة. وبالتالي، فإن إشكاليتهم الراهنة هي جزء لا يتجزأ من إشكاليات التأسيس لمستقبل البلاد، تشييداً، ونهضة، وتقدماً.



لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة