رجل اسمه وفاء

قال صديقي: لديّ خبر سعيد. فلان وجد لنفسه عروسا. وأضاف في ما يشبه التهكّم: لقد صار بعد زواجه يبدو أكثر أناقة، بل وأكثر شبابا من ذي قبل. كانت صديقتي تنصت إليه في دهشة. وما أن أنهى كلامه حتى توالت أسئلتها: أبهذه السرعة المفرطة فعل ذلك؟ هل بضعة أسابيع كافية لأن ننسى شخصا عشنا معه سنوات طويلة جدا؟ أي قيمة، وأي معنى، لعِشرة مثل هذه؟ أي احترام وأي تقدير هذا، ليس للمرأة فحسب، وإنما، وبالأساس، للذات كذلك؟ هل صرنا بهذا السوء: نُبدّل بسهولة إنسانا بإنسان مثلما نبدل شيئا بشيء؟ ألم يجد الحزن طريقه إلى وجدان الرجل أبدا؟ ألم يشعر بتأنيب الضمير حقا؟ بالله عليكما، أي حب هذا؟

أفهم صديقتي تماما، وأتفهم أسئلتها الاستنكارية، ليس فقط لأنها امرأة يمكن أن تشعر بألم امرأة أخرى، وإن كانت متوفاة، من خلال التوحّد معها، وإنما لأنني أعرف أنها تملك إحساسا شاعريا، وتفكر بمنطق الشعراء، لأنها ببساطة شاعرة. وأنا متيقن تماما من أنها كانت ستبدي نفس رد الفعل الغاضب لو أنها سمعت أن امرأة ما فعلت نفس الشيء. فليس في نظرها فرق على هذا المستوى بين رجل وامرأة.

عادة ما يقال إن الرجل يشرع في اختيار زوجة له في ليلة العزاء التي تقام لزوجته. ليس أمامه، ولا يجب أن يكون، وقت للبكاء أو الحزن. الوقت وقت فعل، وليس وقت مشاعر. بشكل ما، يُفترض فيه أن يكون فرحا في العمق حتى وإن كان عليه أن يبدي حزنه للناس. لقد منحته الحياة فرصة جديدة ليجدّد بيته، ويجدّد فراشه. كم هي سخية الحياة معه !

البكاء والحزن أشياء تخص المرأة وحدها، ولا تليق بالرجل. حتى في الشعر القديم يغلب الرثاء في قصائد النساء منه في قصائد الرجال، بل ويكاد شِعرهن أن يقتصر على هذا الغرض. عندما يموت الرجل أو يُقتل في معركة، تشرع النساء في رثائه، ولعل أشهر مثال على ذلك الخنساء في رثائها لأخيها. وهذه، على أي حال، ثقافة لها جذور تاريخية، على الرغم من أن التغيّر أخذ يطالها شيئا فشيئا. ولعل هذا ما منع الشاعر من أن يزور قبر حبيبته، يقول جرير في رثاء أمّ حَزرَة:

لولا الحياء لعادني استعبارُ *** ولزرتُ قبرك والحبيب يزارُ

بلغ الحب ببعض الرجال مبلغا جعلهم ينسبون أنفسهم إلى حبيباتهن. فقيس يُنسب إلى ليلى أكثر مما يُنسب إلى نفسه. وأكثر من ذلك فقد انتفى وجوده، وذاب فيها، ولم يعد له وجود خاص، وما عاد له اسم شخصي يميزه. وبطبيعة الحال، ليس هذا الشاعر الرقيق استثناء، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب محمد مولسهول عدة روايات باللغة الفرنسية منها “إلهة الشدائد” و”سنونوات كابل” وغيرهما، دون أن تحمل هذه الروايات اسمه الشخصي، وإنما تحمل اسما مستعارا هو اسم زوجته. يبدو أن اسمه الشخصي غير معروف إلا بالنسبة للمتتبعين للشأن الثقافي، إذ هو مشهور باسم زوجته: ياسمينة خضرا.

وأنتَ، عبد الناصر، أحببتَ امرأة اسمها وفاء. اقترن في اسمها الاسم بالمسمى. امرأة خُلقت للحب وحده دون سواه: أن تُحَبّ وأن تكون محبوبة. وقد كنتَ أنتَ موضوع هذا الحب وطرفا فيه. يا إلهي، كم أنت محظوظ يا رجل!

ما أشبه وفاء بـ “أنابيل لي” لصاحبها إدجار ألان بو. يكاد التشابه بينهما أن يجعلهما متطابقتين. هما معا امرأتان من نفس الطينة عُجنتا. لو لم أكن أعرف أن بو هو كاتب القصيدة الجميلة، لأقسمت، دون أي تردّد، على أنكَ أنتَ من كتبها. ضع وفاء مكان “أنابيل لي” واقرأ القصيدة. فهي، بشكل ما، قصيدتك:

But our love it was stronger by far the love

Of those who were older than we-

Of many far wiser than we-

And neither the angles in heaven above,

Nor the demons down under the sea,

Can ever dissever my soul from the soul

Of the beautiful Annabel Lee

عندما تمتزج الأرواح وتتمازج فلا سبيل إلى التفريق بينها. فكيف تُفارق بينكما الأسماء؟ عُرفَ عن اسمها أنه اسم امرأة، أو هكذا على الأقل اشتُهر، لكن ما الذي يمنعه من أن يكون، في نفس الوقت، اسم رجل، ما دام هذا الرجل هو أنتَ بالذات، بما توفّر فيك من وفاء عنيد لا يضعف أبدا ولا يلين؟

منذ ذلك اليوم البعيد، تعددت الإغراءات وتنوّعت، مثلما اختلفت الضغوطات واتخذت كل الأساليب الممكنة، وتلبّست كل اللبوس، أما الهدف فبقي هو نفسه: أن تغيّر موقفك وأن تنجرف مع التيار، وتكون مثل كل الآخرين، تماثلهم وتسير على نفس خطاهم. على عكس ما أراده وعمِل من أجله الجميع، بقيت صامدا، غير مكترث، وغير مبال بشيء. وبهذا فقد ملتَ إلى الاختيار الصعب جدا. فيا لها من جرأة! ويا لها من شجاعة!

بلغتَ من الشباب أوجَه، وملكت من الوسامة نصيبا وفيرا. ومع ذلك، حملت مصيرك على كتفك، وقررت أن تمضي وحدك. بثقة، وحزم، أوصدتَ بإحكام كل الأبواب، ولم تترك أي واحد منها مفتوحا أو مواربا. ألقيتَ بالمفاتيح في جوف البحر، بعد أن خطّطت برؤوسها على الرمل اسمها الجميل. اسم يرتّله البحر باستمرار، ولا تجرأ موجاته على أن تمحو خطوطه. تصل إليه، وتحيط به، لتحتفي به وتتبرّك، قبل أن تقفل عائدة من حيث أتت فرحة مستبشرة.

ما مات من حفر بأظافره في وجدانكَ حروف اسمه بما ظل يفيض به من حب وصدق وعطاء غير محدود وغير مشروط.

ما مات من عجز الموت ذاته، بكل ما يملك من سطوة وتسلّط، على أن يغيّبه فيصير كأنه لم يكن أبدا.

ما مات أبدا من جعله الموت، بخلاف ما يفعله عادة، أكثر حياة.

ما مات من جعله الغياب أكثر حضورا فيكَ، وفي كل أشياء العالم من حولكَ.

ما مات منْ لا تحسّ بوجوده فحسب، وإنما تتحسّسه بيدك، فتلمسه قريبا على الدوام.

ما مات من مازال الحنين إليه، كما كان على الدوام، يكاد أن يقطع الأوداج وأن يمزّق نياط القلب قبل أن تمد الذاكرة يدها الرؤوم لبلسمة الجراح.

ما مات من يمد الحياة من وراء حجاب بسيل جارف، ولا ينقطع أبدا، ولا يمكن أن ينقطع، من المعاني والقيم الجميلة.

ما مات من وهبكَ سعادة تستطيع أن تغمر حياتكَ كاملة وتكفي لحيواتٍ أخرى كثيرة.

ما مات من مازلتَ تُصرّ، الإصرار كله، على الاحتفال بعيد ميلاده كل سنة.

ما مات من غرس، بيديه، وبحب منقطع النظير، لكَ ومعكَ، مشاتل ورود سرعان ما أخذت تتبرعم وتزهر، وتنشر شذاها، وتتسابق إليها الفراشات، وتتراقص حولها الطيور.

إهداء: إلى الحسوني عبد الناصر في قلعة وفائك ذات الأسوار المنيعة



لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى