رحلة الظواهري من الطب إلى الإرهاب

في أوائل خمسينيات القرن الماضي، لم يكُن أستاذ الصيدلة المصري محمد ربيع الظواهري، نجل أحد مشايخ الأزهر، وأحد أقرباء أول أمين عام لجامعة الدول العربية، يدرك أن ابنه أيمن المولود في يونيو (حزيران) 1951 بحي المعادي، وهو أحد أرقى أحياء العاصمة المصرية، سرعان ما سيذيع صيته في غضون عقود قليلة، متدرجاً من الإرهاب المحلي إلى الدولي ليصبح ذات يوم أحد أبرز المطلوبين حول العالم لتورطه في عدد من الأحداث الإرهابية التي كان لها تأثير كبير في النظام الدولي.

فقصة أيمن الظواهري، طبيب العيون الذي ولد لأسرة ميسورة الحال، وقاد تنظيم “القاعدة” خلفاً لأسامة بن لادن على مدار أكثر من عقد من الزمان، وتمكنت السلطات الأميركية من قتله أخيراً في غارة بطائرة مسيّرة بأفغانستان، لا تزال تثير فضول المراقبين في شأن التحولات الجذرية التي قادته إلى التشدد حتى بات يمثل “قوة رمزية كبيرة تنبع من العلاقة الطويلة التي جمعته ببن لادن، إلى أن أصبح المنظر الرئيس لتنظيم (القاعدة) لعقود عدة، على الرغم من العلاقة المثيرة للجدل مع قادة الإرهاب الآخرين”، بحسب مجلة “فوربس” الأميركية.

وعلى الرغم من بعض الغموض الذي اكتنف سيرة الرجل وأفكاره على مدار حياته التي تجاوزت العقود السبع، فإن تأثره المبكر بقريب له يدعى محفوظ عزام، وهو ناقد متطرف للعلمانية في مصر، وبكتابات سيد قطب، أحد أبرز منظري جماعة “الإخوان المسلمين”، انعكست في توجهات الظواهري خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وفق دائرة المعارف البريطانية، قبل أن يبرز دوره في هجمات “القاعدة” الكبرى، ومن بينها الهجوم على السفارة الأميركية في كل من كينيا وتنزانيا عام 1998، واعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي تسببت بمقتل نحو ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة.

النشأة والتكوين

مع تتبع نشأة وتكوين أيمن الظواهري، الذي ولد في 19 يونيو 1951، سنجد أن الأسرة تضم عدداً من الأطباء وعلماء الدين، وكان لافتاً انخراط ذلك الشاب خلال مراحله التعليمية الأولى بنشاطات حركات الإسلام السياسي، قبل أن تعتقله السلطات المصرية بتهمة الانضمام إلى جماعة “الإخوان” المحظورة عام 1966 ولم يتجاوز وقتها الـ15 من عمره.

بحسب دائرة المعارف البريطانية، فإن الظواهري الذي تأثر في صباه بشكل كبير بكتابات سيد قطب (أعدم عام 1966 بتهمة محاولة قلب نظام الحكم)، لم يمنعه نشاطه السياسي آنذاك من دراسة الطب في جامعة القاهرة (تخرج فيها عام 1974) ليخدم بعدها لمدة ثلاثة أعوام جراحاً في الجيش المصري، ويحصل عام 1978 على درجة الماجستير في الجراحة، قبل أن ينضم إلى منظمة “جماعة الجهاد الإسلامية” المتطرفة التي أصبح زعيمها في ما بعد.

روى الصحافي والروائي الأميركي لورانس رايت في كتابه الحاصل على جائزة “بوليتزر”، “البرج في الأفق”، أن الظواهري انتمى إلى خلية متطرفة عملت، إلى جانب التخطيط لاغتيال قيادات مصرية، على “إطاحة حكومة بلاده” عام 1966 بعد إعدام قطب، وهي مجموعة نمت لاحقاً واندمجت في ما بعد مع “القاعدة”.

تقول صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية إن الظواهري في بدايات شبابه عمل في عيادة طبية تابعة لـ”الإخوان”، ومنها دعي للقيام بأول زيارة له إلى أفغانستان، حيث قدم العلاج في مخيمات اللاجئين على طول الحدود الأفغانية الباكستانية.

 

وفي الفترة من 1980 إلى 1981، تمكن الظواهري من السفر كعامل إغاثة مع “الهلال الأحمر” إلى بيشاور في باكستان، حيث عالج اللاجئين المضارين من الحرب السوفياتية ضد أفغانستان. وخلال ذلك الوقت، أجرى رحلات عدة عبر الحدود إلى أفغانستان، حيث شاهد الحرب عن كثب، و”هناك تقاطع طريق الظواهري مع الشاب وقتها أسامة بن لادن” بحسب “واشنطن بوست”.

نقلت تقارير أجنبية عن أشخاص قالت إنهم درسوا مع الظواهري في كلية الطب بجامعة القاهرة، أن الأخير كان “شاباً مفعماً بالحيوية، يذهب إلى السينما ويستمع إلى الموسيقى ويمزح مع الأصدقاء”، لكن التحول البارز جاء بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه ثلاثة أعوام بتهمة الضلوع مع جماعته (الجهاد) في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، إذ أصبح من وقتها “شخصاً مختلفاً تماماً”.

خلال محاكمته بتهمة اغتيال السادات، أطل الظواهري للمرة الأولى على العالم الخارجي بلغته الإنجليزية من خلال مخاطبته الصحافة الدولية، قائلاً إن “السجناء تعرضوا لصنوف من التعذيب الشديد، منها الجلد وهجمات الكلاب المتوحشة في السجن”، زاعماً أن السلطات المصرية “اعتقلت الزوجات والأمهات والآباء والأخوات والأبناء في محاولة للضغط النفسي على السجناء الأبرياء”.

وقال زملاؤه السجناء إن هذه الظروف زادت من تطرف الظواهري ووضعته على طريق الإرهاب العالمي، الأمر الذي أكده لاحقاً الظواهري نفسه، مدعياً في إحدى كتاباته أن تجربة تعرضه للتعذيب أثناء سجنه “جعلته أكثر تصميماً على تدمير الحكومة المصرية بالقوة”.

في هذا الملف، قضى الظواهري حكماً بالسجن لمدة ثلاثة أعوام بتهمة حيازة سلاح من دون سند قانوني، وخلال محاكمته، قال الظواهري “إنه وزملاءه ضحوا، ومستعدون لمزيد من التضحيات حتى انتصار الإسلام”.

الطريق إلى تورا بورا

بعد خروجه من السجن في قضية اغتيال الرئيس المصري منتصف ثمانينيات القرن الماضي، غادر الظواهري مصر وتنقل في أماكن عدة، من بينها السعودية والسودان والولايات المتحدة، قبل أن يستقر في أفغانستان في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.

بالتزامن مع تلك الانتقالات، واصل تنظيم “الجهاد” في مصر عملياته، وشن سلسلة من الاعتداءات عام 1992، بلغت ذروتها في ما يعرف بـ”مذبحة الأقصر” على السياح الأجانب عام 1997، كذلك محاولة اغتيال رئيس الوزراء آنذاك عاطف صدقي، ومن ثم حكم على الظواهري عام 1999 بالإعدام غيابياً.

بحسب ما تقول دائرة المعارف البريطانية، فإنه في عام 1992، كان بن لادن غادر إلى السودان وانضم إليه الظواهري قبل أن يضطرا معاً إلى المغادرة في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في إثيوبيا في يونيو 1995، وفي ديسمبر (كانون الأول) 1996، أشارت تقارير إلى أن الظواهري سجن ستة أشهر في روسيا بعد القبض عليه لدخوله داغستان في طريقه إلى الشيشان من دون تأشيرة دخول سارية المفعول.

 

ووفق ما ذكرته “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) عن تلك الحادثة، روى الظواهري بنفسه واقعة اعتقاله في روسيا، من خلال مقال له قال فيه إن “السلطات الروسية فشلت في التعرف على النصوص العربية في جهاز الكمبيوتر الخاص به ولذلك لم تكتشف هويته”.

تقول صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية إن الظواهري، الذي أسس في فبراير (شباط) 1998 مع بن لادن في بيشاور (باكستان) “جبهة تحرير المقدسات الإسلامية”، حوّل اهتمامه في نهاية التسعينيات إلى محاربة الولايات المتحدة، واندمجت جماعته “الجهاد” مع تنظيم “القاعدة” وبن لادن، مشيرة إلى أن الظواهري أجرى زيارة واحدة على الأقل إلى الولايات المتحدة في التسعينيات، وكانت جولة قصيرة في مساجد كاليفورنيا تحت اسم مستعار لجمع الأموال للجمعيات الخيرية الإسلامية التي تقدم الدعم إلى اللاجئين الأفغان.

في الأثناء، ووفق تقديرات استخباراتية أميركية، فقد أطلق الظواهري، وهو العقل المفكر لـ”القاعدة”، برنامجاً طموحاً للأسلحة البيولوجية وأنشأ مختبراً في أفغانستان وأرسل تلاميذ للبحث عن علماء متعاطفين مع التنظيم، وأيضاً للبحث عن سلالات قاتلة من بكتيريا الجمرة الخبيثة. وربما كانت جهود الظواهري ستنجح لو لم تؤدِّ الحملة العسكرية الأميركية عام 2001، بعد أحداث 11 سبتمبر، إلى إطاحة حكم “طالبان” من السلطة في أفغانستان، وإجبار الظواهري على التخلي عن مختبره للأسلحة البيولوجية.

مجلة “فوربس” الأميركية اعتبرت أن الظواهري الذي تولّى قيادة “القاعدة” خلفاً لأسامة بن لادن، الذي قتل عام 2011 بغارة أميركية في باكستان، كان “يتمتع بقوة رمزية كبيرة نبعت من العلاقة الطويلة التي جمعته ببن لادن”.

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن “الظواهري هو من وجه تنظيم القاعدة طوال العقود الأخيرة”، موضحة أنه من روّج لفكرة هزيمة “العدو البعيد” قبل هزيمة “العدو القريب” المتمثل في أنظمة وحكومات الدول العربية والإسلامية.

ونقلت “واشنطن بوست” عن بروس ريدل، الخبير السابق في مكافحة الإرهاب بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، قوله إن الظواهري “أيديولوجي (القاعدة)، رجل فكر، وليس رجل عمل، وبعد نهاية العقد الثاني على أثر هجمات سبتمبر، بدت قدرته على تشكيل الأحداث أو ممارسة القيادة داخل الحركة الإرهابية المنتشرة على نطاق واسع موضع شك متزايد”.

كان الظواهري كذلك الطبيب الشخصي لبن لادن وذراعه اليمنى، وظهر إلى جانبه في تسجيلات مرئية عدة بثت بعد اعتداءات 11 سبتمبر، وكذلك تجلى دوره بعد أن برز كأحد الناطقين البارزين باسم “القاعدة”. ويعتقد أنه استهدف بضربة صاروخية أميركية في 13 يناير (كانون الثاني) 2006 بالقرب من الحدود الباكستانية مع أفغانستان. وهو الحادث الذي قتل فيه آنذاك 4 من أعضاء “القاعدة”، لكن الظواهري نجا وظهر في شريط فيديو بعد أسبوعين يحذر الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش، من أنه لا هو ولا كل القوى على الأرض يمكنها أن تقتله إن لم يكُن مقدراً له ذلك، قبل أن يظهر في شريط مرئي مطول في يوليو (تموز) 2007، يحث فيه المسلمين حول العالم على الانضمام إلى الحركة المتطرفة والالتفاف حول تنظيم “القاعدة”.

ومنذ اعتداءات سبتمبر، واجه الظواهري المتهم في عدد من الأحداث الإرهابية حول العالم، مذكرة توقيف بحقه من قبل الإنتربول الدولي، كما كانت وزارة الخارجية الأميركية رصدت مكافأة مالية قدرها 25 مليون دولار لأي شخص يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله، لاتهامه في واشنطن بلعب دور في تفجيرات 7 أغسطس (آب) 1998 لسفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، التي أسفرت عن مقتل 224 شخصاً وإصابة أكثر من 5000 آخرين.

 

وفق موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي، يعتقد أن الظواهري مع أعضاء كبار آخرين في “القاعدة”، خططوا لهجوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000 على المدمرة الأميركية “كول” في اليمن، ما أسفر عن مقتل 17 أميركياً وجرح أكثر من 30، كما ساعد في تنسيق هجمات 11 سبتمبر.

لكنه بعد أحداث سبتمبر، توارى كما بن لادن عن الأنظار، وقيل إنهما فرا إلى المنطقة القبلية في باكستان، حيث اختبأ الرجلان، في حين استمر في توجيه العمليات الإرهابية، إذ يعتقد مسؤولون أميركيون أن الظواهري لعب دوراً في حصار المسجد الأحمر في إسلام آباد بباكستان عام 2007، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص.

وعام 2017، بقي الظواهري على الرغم من قلة ظهوره مرتبطاً بالأحداث، إذ دعا السنة الذين يعيشون في العراق إلى شن حرب عصابات طويلة ضد القوات الشيعية العراقية عقب استعادتها الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم “داعش”. وفي سبتمبر 2021، أصدر موقع إلكتروني موالٍ لتنظيم “القاعدة” مقطع فيديو جديداً تحدث فيه الظواهري المسن لمدة ساعة، بعد إشاعات في شأن وفاته.

محاولة إحياء “القاعدة”

على الرغم من توليه قيادة التنظيم المتطرف لأكثر من عقد من الزمان خلفاً لأسامة بن لادن بعد مقتله، فإن طبيب العيون المصري لم ينجح في إحياء التنظيم الذي عانى انقسامات واضطرابات داخلية خلّفها فراغ بن لادن، على الرغم من عودة حركة “طالبان” إلى السيطرة على الحكم بكابول في أغسطس الماضي.

ووصف محللون زعامة الظواهري لـ”القاعدة” بأنها “مجلس استشاري أكثر منها قيادة مركزية متماسكة”، في وقت استمر التنظيم يشكل تهديداً أمنياً من خلال فروع قوية له في اليمن وأفريقيا وشرق آسيا.

كتب المحللان كولن كلارك وإسفنديار مير في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن الظواهري “لم يشكل ربما حال عبادة شخصية” مثل بن لادن، إلا أنه كان خطيراً بالقدر ذاته على الولايات المتحدة.

ورأى كلارك ومير أن “دعوة الظواهري إلى الوحدة وعدم اهتمامه بالمزايدة في مجال العنف سمحا لتنظيمه بطرح نفسه أمام أنصاره ومجندين محتملين لصفوفه على أنه أكثر جبهة متطرفة يمكن الوثوق بها في وجه تنظيم (داعش)”.

وفيما بدا أن عودة حركة “طالبان” إلى الحكم في أفغانستان أعطت تنظيم “القاعدة” أملاً جديداً بتعزيز وضعه، يقول الصحافي والمحلل الباكستاني حميد مير، الذي التقى الظواهري مرتين، إنه “لم يكُن يتوانى عن تهديد أعدائه علناً، وأبقى على تحالفه مع أطراف مثل حركة (طالبان) التي نفرت من تكتيات تنظيم (داعش) التي تستهدف مسلمين أيضاً”.

وجاء في تقرير للأمم المتحدة في يوليو الماضي أن الظواهري أبدى في الفترة الأخيرة “قدرة وسهولة متزايدة على التواصل” مع حلفاء مقربين في إدارة حركة “طالبان”. ورجح التقرير عدم إقدام الظواهري على شن هجمات على الصعيد العالمي على المدى القصير لتجنب إحراج إدارة الحركة، لكن التقرير أشار إلى أن “الظرف الدولي مؤاتٍ لتنظيم (القاعدة) الذي يسعى مجدداً إلى فرض نفسه قائداً للإرهاب العالمي”.

بحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، فإنه عند وفاة بن لادن أصبح الظواهري الزعيم الصوري لـ”القاعدة” رجلاً مطارداً مسؤولاً عن تنظيم متهالك، بينما يفتقر إلى أتباع بن لادن المخلصين، لكنه حاول قيادة الجماعات الإرهابية النائية التي كثيراً ما تجاهلت قراراته، ورفضت نصيحته، بخاصة بعد أن طغى صعود تنظيم “داعش” وهيمنته الدموية لأعوام عدة على أجزاء من سوريا والعراق، لكن مع القبض على قيادات الجماعة الأصليين أو قتل كثير منهم، كان الظواهري هو التذكير الأكثر وضوحاً بإرث “القاعدة” القاتم.




لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى