شابة قروية تتفرّدُ في الرسم على الزربية

في عودتها من الرباط إلى قريتها ذات اللون الترابي، حيث غالبا ما تنسلخ في بيتها عن العالم الخارجي لترسم لوحات تشكيلية تنبض بأمجاد الأطلس وجمال طبيعته، تلقّت فاتحة عمراني، ابنة مركز “واومانة”، ترحيبا حارا من السلطات والمجلس الجماعي وفعاليات جمعوية، فضلا عن مئات الأهالي، إثر فوزها بلقب برنامج “صنعة بلادي..” في دورته التاسعة، احتفاء بالصناعة التقليدية بالمغرب.

في دروب واومانة التي تتحسس فيها مشاق الحياة، وتفوح رائحة شظف العيش، تقيم فتيحة ذات الـ 30 ربيعا ورشة للرسم ومقاولة للنسيج بمنزلها المتواضع، متحدية الإكراهات التي تعترض المرأة القروية، ومُصرّة على أن تصعد أدراج النجاح مهما بلغ عُلوّها.

وفتيحة شابة قروية ترعرعت بهذه القرية التي تبعد عن مدينة خنيفرة بحوالي 45 كيلومترا، بين أحضان أسرة شبه محافظة، ونجحت في صقل تجربة فنية رائدة تستلهم غنى الطبيعة وتنوع مكوناتها، والموروث المادي الذي صنعته المرأة الأمازيغية بأناملها، لتضفي عليه لمسات إبداعية بطعم حداثي.

في حديثها لهسبريس تحكي فتيحة التي كانت ترتدي لباسا أنيقا بألوان متنوعة وزاهية تعكس تنوع الثقافة الأمازيغية: “تعلمت حرفة النسيج منذ الطفولة، إلا أني كنت شغوفة بالفن التشكيلي، ما ولّد لدي رغبة جامحة في الرسم على الزربية التقليدية التي تُميز الأطلس”، وأضافت: “هذا الحلم الذي راودني منذ نعومة أظافري هو الذي أسعى اليوم إلى ترجمته من خلال الرسم بالخيوط وغزل الزرابي، في لوحات فنية تمزج بين الأصالة ممثلة في التراث الفني الأمازيغي والمعاصرة التي تمتح من الفن التشكيلي”.

وتابعت المتحدثة ذاتها: “كان لوالدي أثر بالغ عليّ في مجال الرسم، أما والدتي فيعود لها الفضل في إتقان صناعة الزرابي واستنباط معالمها وزخارفها التي تنبض بها لوحاتي الفنية”، لافتة إلى أن أسرتها “كانت مدرسة وتجربة فريدة في حد ذاتها”.

وتقرّ هذه الصانعة التقليدية الثلاثينية بأن ما تقوم به في عملية نسج الزربية “ابتكار يتصف بالدقة والفرادة، ويُعد تجربة جديدة في صناعة الزرابي على المستوى الوطني، ويحتاج إلى جهد كبير ومثابرة للتمكن منه”.

وما يزيد من صعوبة هذا الأسلوب في الرسم على الزربية، وفق فتيحة، أنه “يختلف عن اللوحات التشكيلية، حيث يمتلك الرسام حرية البدء من أي زاوية شاء، على عكس الزربية التي لا تتيح هذه الإمكانية وتشترط البدء من الأسفل، واعتماد العقدة والخيوط في بناء شكل المحتوى”.

وأشارت المتحدثة إلى أنها ما كانت لتحقق هذا النجاح، لولا تحفيز الأسرة والأقارب، ودعم السلطات المحلية، في شخص المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرنامج “فرصة”؛ ناهيك عن استفادتها من تكوينات في منصة الشباب بخنيفرة، التي كان لها الأثر الكبير في تطوير مشروعها الفني.

وكانت عمراني شاركت بمنسوجاتها الفنية في عدد من المعارض الدولية، وفي معارض متعددة للصناعة التقليدية بمجموعة من مدن المملكة، وحظيت منتجاتها بإقبال من الزوار لتميزها على مستوى الشكل والمحتوى، حيث استطاعت أن تحيك خيوط الزربية بألوان متشبعة بثقافة وتراث طبيعة الأطلس المتوسط.

وتروي الصانعة ذاتها أنها تعتمد على خيوط النسيج المحلية بألوانها المميزة، وتستبدل الزخارف التقليدية برسومات من وحي خيالها، مستوحية تارة جمال الطبيعة ومؤهلاتها، وتارة أخرى مشاهد وأشكالا تختزنها في ذاكرتها، معلنة أنها أحيانا تنبهر بما تصنعه أناملها وما تجود به قريحتها.

وكشفت فتيحة أنها والعديد من نساء الأطلس صانعات تقليديات بالموهبة والفطرة، يتوفرن على قدر كبير من الكفاءة والمعرفة المهنية العالية في صناعة الزرابي، إلا أن الكثير منهن في حاجة إلى من يمدُّ إليهن يد العون ويدعّمهن، مشددة على أن “أكبر عدو للنجاح هو الفقر”.

وبشأن فوزها بلقب “صنعة بلادي”، البرنامج الذي تقدمه القناة الثانية “دوزيم”، أبت المتحدثة إلا أن تؤكد أن النتيجة كانت مرتقبة، “وهي تتويج عن جدارة واستحقاق يعبر عن عزيمتها ورغبتها في النجاح، ويختزل تجربة طويلة من العمل المضني”.

“التتويج في برنامج صنعة بلادي ليس سوى بداية مشوار لفترة قادمة ستكون غنية بالعطاء، لأن في جعبتي الكثير، ولم أتمكن من تقديم كل ما لدي من مهارات وإمكانيات في فن الزربية لاعتبارات مرتبطة بشروط البرنامج”، تورد فتيحة لهسبريس.

ومما يميز أعمال هذه الصانعة التقليدية الشابة تلك اللمسة الإبداعية التي أدخلتها على الزربية الأطلسية، إذ حاولت تجاوز الصورة النمطية التقليدية إلى صورة تنضح بالجدّة وتُزاوج بين الأصالة والمعاصرة؛ وهي القيمة المضافة التي من شأنها أن تخدم الصناعة التقليدية مستقبلا، وتصل بها إلى مستوى العالمية.

وعلى غرار باقي المقاولين الشباب، عبرت فتيحة عن أملها، بعد نيل لقب صنعة بلادي، أن تُطور مقاولتها لتصبح مشروعا تنمويا يخدم النساء المحليات ويدعم قدراتهن من خلال تنشيط دورة إنتاجية محلية تكفل لهن وضعا ماديا لائقا، مردفة: “إن اللقب جعلني أكثر إصرارا على تطوير وتوسيع مشروع صناعة الزرابي، لارتياد آفاق واسعة تساعد نساء واومانة على التمكين الاقتصادي وتحسين أوضاعهن وإخراجهن من عزلتهن ورتابة حياتهن وإبراز قدراتهن وطاقاتهن”.

“كما أن الحلم بخلق هذه المقاولة التي تبتغي الاستثمار في الطاقات النسائية بقرية واومانة لا يختلف في جوهره عن مساعي السلطات المحلية والإقليمية التي تعمل جادة لتنزيل الإرادة الملكية السامية في منح المرأة المغربية المكانة التي تستحقها، وإنصافها وضمان جميع حقوقها وجعلها في قلب السياسات التنموية المحلية”، تواصل المتحدثة لهسبريس.

كما أبرزت فتيحة أن مشروع صناعة الزربية، بهذه الرؤية الجديدة المتفردة، علاوة على أنه سيشكل “مصدر رزق” لهؤلاء النساء، فهو أيضا بمثابة “فضاء للإنصات لهمومهن وانشغالاتهن، وأقرب إلى المكان الذي يروم رفع الرتابة عنهن، ما يستلزم تكثيف المزيد من الجهود لتطويره وتوسيعه، ليس بهدف تعزيز وضع المرأة الاعتباري فحسب، إنما أيضا من أجل تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب”.

وكانت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية بإقليم خنيفرة صادقت على عدة مشاريع في إطار محور دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، منها مشروع بناء المركز الإقليمي للزربية بخنيفرة لفائدة الصناع التقليديين، بتكلفة إجمالية تقدر بـ 10 ملايين و700 ألف درهم، منها 3 ملايين و700 ألف درهم كمساهمة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

كما صادقت اللجنة ذاتها، في إطار تفعيل شق دعم الحس المقاولاتي وضمان الاشتغال الأمثل لمنصات الشباب، على مشروع اتفاقية تسيير منصات الشباب خنيفرة- أكلموس- القباب من طرف جمعية خنيفرة مبادرة، بتكلفة إجمالية تقدر بـ 552 ألف درهم.



لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة