كل الأزمات تؤدي إلى هيمنة الصين

يبدو الموقف الصيني من الحرب الطارئة بين روسيا والغرب ملتبسا جدا .فهي لحدود اليوم ، و منذ الارهاصات الأولى للأزمة تتقن فن البقاء في المنطقة الرمادية التي تجعل كلا الغريمين اللدودين يتودد لها كي تصطف بجانبه، ويتوجس منها ويضرب لها الف حساب في نفس الوقت كي لا تنقلب ضده.

انها الصين الدولة البرجماتية بجدارة ، التي تعرف كيف تكون راكبا مجانيا في كل الأزمات والحالات حتى تحصل على كل ما تريد على ظهر الآخرين ودون كبير تكلفة .

الصين التي استفادت من أزمة كورونا ،وخرجت منها منتصرة ظافرة أمام الغرب الذي شاخ وترهل ،فلم يتمكن من انقاذ مواطنيه من مخالب الفيروس ، تستفيد مرة أخرى من أزمة اوكرانيا التي قد تجعلها هذه المرة تتربع على عرش العالم كسيدة للمنتظم الدولي او في أبخس الحالات كقطب في عالم جديد متعدد الاقطاب.

تعرف الصين أن زمنها قد حان وان أيامها في إقبال وأيام الغرب في إدبار، وانه قد دقت ساعة السؤدد والمكانة العظمى التي لطالما حلمت بها طيلة عقود من مداراة الغرب ومجاراته والتمسح به والصبر على غروره وعنهجيته وتعاليه .

حين ذهب الرئيس بوتين إلى الصين اياما قليلة قبل غزوته الأوكرانية، جره الرئيس تشي الذي أحس برغبته في أن تشد الصين أزر اختها روسيا نكاية بالاعداء، من يده ،وذهب به لافتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية، ليبدوا للعالم باكمله كما لو كانا يعطيان الانطلاقة معا للعالم الجديد الذي لن يكون فيه مكان للسيطرة المطلقة لامريكا. ثم لم يكتفيا بتلك الصورة بل دبجا بيانا من 5000كلمة بالتمام والكمال قالا فيه أن لاحدود للتعاون والتنسيق بينهما ، والذي قررا أنه سيهم كل المجالات.

روسيا ضرورية للصين . والصين رئة روسيا التي ستعول عليها لتحدي سلاح العقوبات النووي الذي اشهره في وجهها الغرب ومن ورائه أغلب العالم طائعا ومكرها، فرقم المعاملات بين موسكو وبكين يصل إلى 147 مليار دولار.وهذه المبادلات كلها نفط وغاز واسلحة مما لايمكن أبدا أن يجود او يزود به الغرب الصين. وهي مرشحة لتبلغ عنان 250 مليار دولار في القريب من السنوات .

لكن رغم هذه العلاقة الاستراتيجية، لا تستطيع الصين أن تؤيد روسيا في مغامرتها باتجاه كييف ، لكنها تجعلها لا تفرط فيها أبدا ولا تدينها، وذلك لعدة اسباب.

ان الصين رغم توتر علاقتها بالغرب، إلا أن كل ما حققته من تقدم وتنمية تناجز بهما هذا الغرب قد بنته بفضل كبير منه .

مشكلة الصين أنها تحتاج الغرب لأجل تجارتها الرائجة فهي لن تجد بديلا لبضائعها من سوقه الواسعة المترفة، لكنها تدخر روسيا إلى اليوم الأسود الذي سيواجهان فيه معا الغرب .وهو قادم لاشك في ذلك .

لكن هذا اليوم الأسود ليس الآن ، بل هو اليوم الذي تحشر فيه الصين وليس روسيا في الزاوية حين يكسر الغرب عن أنيابه في وجه بكين.

الصين جسدت هذه المعادلة الصعبة التي تعين عليها أن تقيمها بين الغرب وروسيا، من خلال الامتناع عن التصويت على قراري مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة . لقد حولت بذلك عزلة روسيا من مطلقة إلى خانقة بأن استقطبت وشجعت كل تلك الدول المتهيبة من معارضة الغرب و التي قلبها مع موسكو على البقاء على الحياد الذي لا يعني في العمق إلا مساندة الروس. وتركت بهذا التصويت الغرب حائر بخصوص حقيقة دورها وفي نفس الآن طامعا في ضمها إليه.

خطوات محسوبة تدل على أن الصين أصبحت اللاعب الدولي الذي لامناص منه للكوكب الأرضي. الصين التي تمتنع فتصبح مرشحة للوساطة اكثر من أوربا وأمريكا كليهما، و قادرة على ضمان مخرج مشرف لبوتين إذا سارت الأمور على غير ما خطط له .والتي تتمنع على الغرب ،وتطلق له الحبل على الغارب، حتى يأتيها مرغما طائعا يخطب وساطتها لإنهاء هذه المأساة التي تشكل العالم .

هكذا ستضرب الصين بتصويتين اثنين عدة عصافير. منها أنها تظل وفية لمبدئها العزيز على ديبلوماسيتها المتمثل في رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم انتهاك سيادتها، فتحافظ على حظوظها في ضم تايوان قضيتها الأولى إليها، ولاتعطي المبرر للولايات المتحدة الأمريكية لكي تأتي لتحصين الجزيرة المارقة، او تغالي في تشجيع الحركات الانفصالية بهونغ كونغ او تدعم مسلمي الايغور .أنها تخدر العالم كله الى أن تقرر ايضا أن تباغته، و تحذو حذو بوتين فتغزو تايوان على حين غرة كما يقولون.

الصين هي الرابحة بهذا السلوك المتنطع من الأزمة الحالية. فكلا العدويين سينهكان بعضهما البعض .ولذلك هي ليست مستعجلة .ستتركهما يتناطحان حتى يوهنا قرنيهما. آنذاك فقط ستخرج هي قوية جبارة لتتسبد العالم، ولن تجد من يعارض في ذلك او يمنع ذلك . إنها أيضا تحتاج لهذه الوساطة، لأنها تريد أن يكتب لها في صحيفة اعمالها أنها جنبت العالم حربا نووية طاحنة، وحمته من الفناء المحقق، وبذلك تنزع عنها صورة الأمة التي أتت منها الجائحة وتضع مكانها صورة البلد المنقذ للبشرية من الانقراض .هذا الانجاز مهم جدا لها لكي تفتتح به العهد الصيني القادم .

ان بكين وهي تقف في الوسط، تبدو حكيمة لكنها في الحقيقة ، تبتز الجميع، تتاجر في الأزمة، وتخدم مصلحتها للدرجة القصوى . هي لن تقبل بأية حال من الأحوال أن يتم هزم روسيا وتفكيكها اتحادها، لأنها لن تتحمل استيلاء العالم “الحر الديمقراطي” على كل المقدرات والطاقات التي يزخر بها حليفها الذي يجمعها به وحدة المحتد الأيديولوجي ووحدة المصير .لكنها أيضا تريد أن تتوغل روسيا وتتورط أكثر، وتستغيث بها، فتقرضها آنذاك ثم تستلحقها او تستتبعها لها .ذلك أن الصين وروسيا رغم المحبة الزائدة ورغم التحالف الاستراتيجي الذي يجمعهما، لم يفكا بعد مسألة مهمة وضرورية بينهما لكي يتم تفعيل هذا التحالف بالشكل الأمثل، وهي مسألة أيهما التابع وأيهما المتبوع؟. أيهما القائد وايهما المقود؟. روسيا تكمل نقص الصين العسكري والصين تلغي قزامة روسيا الاقتصادية ، ولذلك يساعد تورط روسيا وعزلتها في تغليب دفة بكين على موسكو التي قد يتبين فيما بعد أنها كانت محض ارنب سباق للصين في مضمار الجري نحو قمة العالم .

أعتقد أن الصين تستثمر في الأزمة لترسيم نفسها في مواجهة الولايات المتحده الامريكية كغريمة وكقطب تتقاسم معها الهيمنة في النظام الدولي المعتلج ، و في مواجهة الاتحاد الروسي كصديق لن يتردد في منافستها حول ايهما يتولى القيادة . من المؤكد أننا سنكون أمام مشهد دولي بقطبان: أمريكا وظهيرتها بريطانيا ، والصين بظهيرتها روسيا، بينما سيظل الاتحاد الاوروبي هو هو مجالا للصراع بين معسكرين لن نميزهما هذه المرة باختلاف الايديولوجيا ونوع الاقتصاد، بل باختلاف المصالح وتباين الهوية الحضارية القادمة من عمق التاريخ مما سيمنح تقدما طفيفا للشرق على الغرب فالشرق له القلب والعقل هذه المرة وللغرب العقل فقط .

انه يبدو واضحا بجلاء أن الظروف الدولية تسير في ركاب الصين، وأن كل الازمات التي تقع في العالم مؤخرا تؤدي مباشرة بالعالم إلى مبايعة الصين .ومن يشك في هذا ما عليه إلا أن ينتظر قليلا حتى نهاية هذا المخاض .



لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى