لماذا تخلت “سي أن أن” عن انحيازها السياسي لليسار؟

فاجأت شبكة “سي أن أن” كثيراً من المراقبين، هذا الأسبوع، باستضافة مات غيتز عضو مجلس النواب اليميني المتشدد وأحد أكثر حلفاء الرئيس السابق دونالد ترمب على شاشتها، في تحول أكثر وضوحاً عما بدأته قبل أشهر بالتخلي عن انحيازها للتيار الليبرالي واليسار، وتفضيل الانفتاح على كل التيارات السياسية، بما فيها اليمين المتشدد، فما سبب هذا التحول؟ وهل هناك دوافع سياسية ومالية؟ أم إنها تحاول سحب البساط من “فوكس نيوز” اليمينية أملاً في الأرباح أو من أجل تعزيز روح الاعتدال في أميركا المنقسمة بشدة منذ سنوات؟

علامات التحول

لطالما ادعت شبكة الأخبار الأميركية “سي أن أن” أنها “الاسم الأكثر موثوقية في الأخبار”، لكن تاريخها الحديث شهد جدلاً واسعاً خلال التقييم الإعلامي للقنوات الإخبارية الأميركية مع تحول الشبكة إلى اليسار عقب صعود ترمب إلى السلطة في البيت الأبيض، والذي أدى إلى اضطراب السياسة الأميركية، لكن القناة الآن تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد كريس ليكت خضعت لتغيير سريع بدت معالمه واضحة خلال الأشهر الأخيرة مع سعي الشبكة إلى الابتعاد عن بعض الحزبية السياسية المعروفة لمراسليها ومذيعيها والعودة إلى نهج أكثر توازناً وصرامة في الصحافة التلفزيونية.

وخلال الأسبوع الماضي، كرست “سي أن أن” اتهامات بعض المراقبين السياسيين بالتحول إلى اليمين السياسي بعد أن حظيت بتصفيق ومديح من أحد منتقديها الرئيسين، وهو مات غيتز النائب الجمهوري المتشدد في تكتل الحرية الموالي للرئيس السابق ترمب، والذي استضافته الشبكة الإخبارية للتعليق على أنشطة الكونغرس، الأمر الذي فجر كثيراً من التعليقات من بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً إلى أنه انتقد الشبكة في السابق بسبب ما وصفه بتحيزها الليبرالي ضده، كما اتهمها بالكذب حين طالبها بالتراجع عن قصة إخبارية زعمت فيها أن ترمب رفض الاجتماع معه، حتى إنه أطلق على “سي أن أن”، ذات مرة، لقب الشبكة الفائزة بجوائز الأخبار الكاذبة.

لكن “سي أن أن” التي بنت سمعة في التغطية السياسية التقليدية ذات الميول الليبرالية، أصبحت أكثر انتقاداً للرئيس جو بايدن وبشكل متكرر، فمع تفجر أنباء اكتشاف بايدن عدداً من الوثائق السرية في مكتب بواشنطن وأخرى في منزله بولاية ديلاوير، وجهت المحطة بعض الانتقادات للرئيس، كما نشرت بعدها مباشرة تقريراً مطولاً مدعوماً بوثائق محاكم وتسجيلات فيديو عن كيفية استفادة فرانك وجيمس شقيقي الرئيس بايدن، وكذلك نجله هانتر، من اسم الرئيس خلال ولاية حكمه كنائب للرئيس أوباما أو خلال فترة حكمه الحالية.

وحتى قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس، انتقدت مذيعة الشبكة بريانا كيلار الرئيس بايدن لوقوف مشاة البحرية الأميركية خلفه خلال خطاب ألقاه في فيلادلفيا، وهاجم فيه ترمب وأنصاره الذين اعتبرهم يشكلون تهديداً لأميركا ومستقبلها. وقالت إن وضع مشاة البحرية بالزي العسكري خلف الرئيس بايدن لإلقاء خطاب سياسي يتعارض مع وضع الجيش كمؤسسة غير سياسية.

وبالمثل، قطع المذيع التقدمي دون ليمون أسلوبه المعتاد في الدفاع عن الديمقراطيين، من خلال طرح تساؤل عما إذا كان جو بايدن، الذي بلغ الـ80 من العمر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لديه القدرة على التحمل جسدياً وعقلياً، للاستمرار في مهامه بكفاءة بعد عام 2024، وهو ما حاز إشادة شان هانيتي مذيع قناة “فوكس نيوز” الشهير المقرب من الرئيس ترمب.

هدف جديد

غير أن هذا التحول في سياسات الشبكة كان جزءاً من تغييرات كبيرة بدأت العام الماضي، بما في ذلك تعيين رئيس تنفيذي جديد للشبكة هو كريس ليكت، مما دفع بعض النقاد إلى اتهام عملاق الأخبار بإنتاج محتوى أكثر احمراراً، في إشارة إلى التماهي مع الحزب الجمهوري الذي يرمز له باللون الأحمر، ويعتبر ليكت أنه يقوم بجهد إصلاحي يشمل سلسلة من الإجراءات تهدف إلى التخلص التدريجي من الحزبية السياسية العلنية وتقليل تواتر تنبيهات “الأخبار العاجلة”، ومطالبة المذيعين بعدم التعبير عن آرائهم، وتجنب تقديم أقصى درجات الفكر السياسي لأي من الجانبين، يساراً أو يميناً للوصول إلى الحقيقة، عبر إعلام المشاهدين، وليس إثارة قلقهم.

ومن بين الإصلاحات، وجه ليكت مذيعي الشبكة والمنتجين للتوقف عن استخدام عبارة “الكذبة الكبرى” لوصف محاولات قلب نتيجة انتخابات عام 2020، على اعتبار أن ذلك هو شعار الحزب الديمقراطي، وفضل بدلاً من ذلك استخدام “أكاذيب في شأن الانتخابات” كتعبير أكثر تحديداً، غير أن هذه التغييرات دفعت بعض المراسلين والمذيعين البارزين، بما في ذلك جون هارود وبريان ستيلتر وجيفري توبين، إلى الانسحاب من الشبكة.

وتزامناً مع ذلك، استقطبت الشبكة، منذ الخريف الماضي، مذيع “فوكس نيوز” السابق كريس والاس، في وقت تصف فيه أريانا بيكاري، محررة الشبكة، توقيت التحول في “سي أن أن” بأنه كان مناسباً للغاية لأنه جاء تحت غطاء الحرب في أوكرانيا الذي يمكن أن يلتف حوله اليسار واليمين.

غضب ليبرالي

مع هذه التحولات نمت الدعوات لمقاطعة “سي أن أن” على وسائل التواصل الاجتماعي في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية، فقد شجب الآلاف من الأشخاص على “تويتر”، تحول شبكة الأخبار بعيداً من تغطيتها السياسية التقليدية ذات الميول الليبرالية في ظل قيادة شركة “وارنر برذرز ديسكفري” الجديدة. وطالب جون كوبر المسؤول المالي السابق في إدارة باراك أوباما بمقاطعة الشبكة بعد أن بدأت في التحول إلى اليمين، قائلاً إذا كنت ترغب في مشاهدة الدعاية اليمينية، فيمكنك مشاهدة قناة “فوكس نيوز”، لكن في الوقت الحالي، فإن خدمة شبكة “أم أس أن بي سي” هي الوحيدة المناسبة بالنسبة له.

وكتب مستخدم آخر على “تويتر” مطالباً الجمهور بعدم مكافأة ما وصفها بشبكة فاسدة تجني أرباحاً من خلال دعم نظام فاشي، وأنه حان الوقت لتجويع “سي أن أن” من كل شيء، بما في ذلك التقييمات والنقرات.

محاربة الإثارة

لكن التحركات التحريرية التي اتخذتها إدارة الشبكة الجديدة لم تنبع من فراغ، فقد جاءت بعد أشهر من فضيحة الجنس والسياسة في الشبكة التي شهدت رحيل الرئيس التنفيذي جيف زوكر الذي كان على علاقة عاطفية مع رئيسة قسم التسويق أليسون غولست، كما جاءت بعد إقصاء كريس كومو مذيع “سي أن أن” البارز في وقت الذروة عقب افتضاح أمر مشاركته في صياغة كيفية تعاطي شقيقه أندرو كومو حاكم ولاية نيويورك، مع ادعاءات التحرش الجنسي التي واجهته قبل أكثر من عام.

وفي هذا الإطار أصبحت التغييرات التي تشهدها وبعض المحطات الأخرى محاولة للابتعاد عن صخب الانحياز المطلق لطرف سياسي، وسط ضغط من الشركات المزودة لخدمات التلفزيون عبر الكابل التي بدأت في إسقاط القنوات المثيرة للجدل سياسياً.

وفي وقت سابق من العام الماضي، أعلنت شركة “دايركت تي في”، وهي واحدة من أكبر مزودي خدمة التلفزيون المدفوع في الولايات المتحدة، أنها ستتخلى عن شبكة “وان أميركا نيوز”، القناة المحافظة التي تعرضت لانتقادات واسعة لنشرها معلومات مضللة، ولهذا لم يكن غريباً أن يعلن جون مالون أحد المساهمين الرئيسين في شركة “وارنر برذرز ديسكفري”، المالك الجديد لشبكة “سي أن أن”، أنه يود أن يرى الشبكة تتطور مرة أخرى إلى نوع الصحافة التي بدأت بها، بخاصة أن لديها بالفعل صحافيين مهنيين بارعين.

“فوكس نيوز” أيضاً

لكن التحول في “سي أن أن” واكبه تحول مماثل في شبكة “فوكس نيوز“، بما يجعل الشبكات المتعارضة أكثر تشابهاً في بعض الأحيان، فقد تعرضت للهجوم في الأسابيع الأخيرة من قبل كل من ترمب والخبير الاستراتيجي السابق في البيت الأبيض ستيف بانون بسبب تغطيتها السياسية، فقد اقترحت لورا إنغراهام مذيعة قناة “فوكس نيوز”، أن الناخبين الجمهوريين قد يرغبون في الابتعاد عن ترمب إلى بديل يميني آخر، وعلى رغم دفاعها عن سياسات ترمب وانتقادها تفتيش مكتب التحقيقات الفيدرالي لممتلكاته في مارالاغو، فإنها قالت إن البلاد منهكة من المعركة التي استلزمها دعم سياساته، وقد يلجأ كثير من الناس إلى شخص جديد.

وعبر ترمب على منصته الاجتماعية “تروث سوشيال”، عن رأيه في القناة الإخبارية التي طالما أشاد بها سابقاً، وكتب متهكماً بأن “فوكس نيوز” حققت نجاحاً باهراً باستضافة الديمقراطيين ومواجهتهم بأسئلة لينة، مشيراً إلى أن “سي أن أن” ستكون بمثابة منجم ذهب إذا أصبحت قناة محافظة، بخاصة بعد التقارير التي أفادت بأن الشبكة تهدف إلى مزيد من الحياد السياسي وتوجيه انتقادات أقل للرئيس السابق في عهد رئيسها الجديد كريس ليكت.

أما ستيف بانون فقد انتقد في منشور على موقع التواصل الاجتماعي “جيتر”، قناة “فوكس نيوز”، معتبراً أنها مناهضة لترمب، ومعادية للشعبوية والقومية، وأنها موطن المعارضة الخاضعة لسيطرة ما سماه “نادي الريف الجمهوري” الذي يضم الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش، وبول رايان رئيس مجلس النواب الجمهوري السابق، وميتش ماكونيل زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ.

أسباب مادية

ومع ذلك، فإن حال “سي أن أن” تبدو أكثر إلحاحاً من “فوكس نيوز” لتعديل سياستها في الوقت الراهن لأسباب مادية دفعت الشركة الأم لشبكة “سي أن أن” لاتخاذ التغييرات المناسبة التي تعتبر أنها لا تنفصل عن الابتعاد عن التطرف في أميركا المنقسمة بشدة بين اليمين المحافظ واليسار الليبرالي، من أجل محاولة جذب قطاعات أوسع من المشاهدين، بخاصة أن شبكات الأخبار التلفزيونية، تعتمد بشكل كبير على مزودي خدمات الكابل، فقد جاء ما يصل إلى 60 في المئة من عائدات “سي أن أن” البالغة 1.8 مليار دولار، العام الماضي، من مزودي خدمات الكابل، في حين حققت شبكة “فوكس نيوز” عائدات بلغت 12.3 مليار دولار من جمهور أكبر بكثير، ولذلك تعد زيادة إيرادات “سي أن أن” أولوية بالنسبة إلى الشركة المالكة الجديدة “وارنر برذرز ديسكفري” التي يبلغ إجمالي ديونها نحو 59 مليار دولار، ووعدت المساهمين بتوفير مبلغ ثلاثة مليارات دولار من الكلفة.

وتعكس تصريحات الرئيس التنفيذي الجديد كريس ليكت للمعلنين، الشهر الماضي، هذا التوجه، فقد أوضح أنه في الوقت الذي يهيمن فيه التطرف على القنوات الإخبارية، ستسعى إدارته إلى التغطية الخبرية بطريقة مختلفة، تعكس الحياة الواقعية لمشاهدي “سي أن أن” وتغيير الطريقة التي تنظر بها أميركا والعالم إلى هذه الوسيلة التي اكتسبت تحت الإدارة السابقة سمعة التصقت بها لفترة من الزمن، باعتبارها وسيلة إعلامية مناهضة قوية لترمب في برامجها ومبالغاً فيها في محاربته خلال تغطيتها للرئيس السابق.

وتشهد شبكات الكابل في الولايات المتحدة عموماً انخفاضاً في التصنيفات، على رغم أن انخفاض التصنيف الذي لحق بشبكة “سي أن أن” كان الأكثر حدة، فوفقاً لأرقام مؤسسة “نيلسن ميديا” البحثية حول معدل عدد مشاهدي اليوم الواحد خلال عام 2022، بلغ متوسط عدد مشاهدي قناة “فوكس نيوز” 1.4 مليون مقارنة بنحو 733 ألفاً شاهدوا شبكة “أم أس أن بي سي”، وأقل من نصف مليون فقط شاهدوا “سي أن أن” يومياً.

قرارات اقتصادية

ويقر خبراء الإعلام في الولايات المتحدة بأن هجمات ترمب المتكررة ضد شبكة “سي أن أن” كان لها تأثيرات دائمة، وتشير مارغوت سوسكا أستاذة الصحافة في الجامعة الأميركية بواشنطن، إلى أن الشركة المالكة للشبكة تحاول الاستمرار في التخلص من لقب الإعلام الإخباري المزيف الذي أطلقه ترمب، وهو اللقب الذي ظل عالقاً في أجزاء كثيرة من البلاد وأثر في الثقة بها بصرف النظر عن صدقه أو زيفه، وهذا هو السبب الذي يجعل مجلس الإدارة الجديد يريد أن يرى أسهمه ترتفع في السوق، لأن هذه الشركة لا تزال مدينة بنحو 50 مليار دولار، الأمر الذي يجعلها تنظر إلى القضية من خلال عدسة الاقتصاد، وليس السياسة عبر بحث كيفية إشراك مزيد من الجماهير كي يجدها المعلنون جذابة لهم.

وبينما أقر ليكت بأن إيجاد طريق لزيادة الربحية وإعادة تأهيل السمعة مع جذب مزيد من الأميركيين لشبكة “سي أن أن”، لن يكون أمراً سهلاً، إلا أنه يظل ملتزماً برؤيته الخاصة بالشبكة التي دخلت عامها الأول تحت قيادته كرئيس تنفيذي لإحدى أكبر العلامات التجارية الإخبارية في العالم، إذ عبر لصحيفة “نيويورك تايمز” أنه يريد أن تكون “سي أن أن” أساسية للمجتمع، وإذا نجح في ذلك، فسوف تنهمر الأرباح.




لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة