مراوغات جزائرية دون هدف

السبت 21 يناير 2023 – 22:19

طوّقت الجزائر نهائيات كأس أمم إفريقيا للاعبين المحليين في كرة القدم 2023، وأصرّت على قرار إغلاق الحدود الجوية في وجه المغرب ومنع المنتخب المغربي من المشاركة في تلك التظاهرة، ثم أعطت كلمة ملغومة لأحد أحفاد نيلسون مانديلا ليدعم أطروحة الجزائر في انفصال الأقاليم الجنوبية للمملكة عن باقي التراب المغربي وكأن النضال جينة تورث بالنسب، وأعقب كل ذلك تعبئة الجماهير الجزائرية وسط مدرجات الملعب ليهتفوا بشعار: “عطيه البنان، المروكي حيوان”.

يا حسرةً على “الخاوة”!

كل هاته المراوغات استطاعت من خلالها الجزائر أن تحقق هدفا؛ لكن في شباكها، المراد منه تنفيذ العداء ضد المغرب من خلال عزله دبلوماسيا. لكن يبدو أن الجزائر تجهل مدى خطورة تحويل العداء السياسي إلى نزاع ثقافي بين الشعوب؛ لأن الأنظمة السياسية قابلة للإصلاح والتغيير بحكم الطبيعة المتقلّبة للسياسات العمومية والدولية، عكس الشعوب التي تمثل امتدادا لفكر جماعي إذا شابه تشوه يصعب تطويره لملاءمة التحوّلات الكونية المستمرة. لذلك، يجب على الشأن الثقافي أن يبقى في منأى عن الفوضى السياسية.

وإذا رجعنا إلى الذهنية الجزائرية في التفكير السياسي سنجدها تقوم على الإسقاط والصراع الثقافي المتجه نحو القومية الراديكالية؛ فنجد مثلا فرنسا مُقحمة في النشيد الوطني الجزائري، على الرغم من أن الجيل السياسي المسؤول عن جرائم الاستعمار الفرنسي قد مضى وتمت بعد ذلك شراكات وتعاون بين البلدين في شتى المجالات. إضافة إلى انتقام الرئيس السابق هواري بومدين من الشعب المغربي حين طرد 350 ألفا من المغاربة المقيممين بالجزائر، مع تجريدهم من جميع ممتلكاتهم وإجلائهم على الحدود المغربية الجزائرية؛ وهي ثاني تجربة اضطهاد ضد الإنسانية يعرفها العالم بعد العنصرية النازية.

من سبعينيات القرن الماضي إلى يومنا، ما زالت الجزائر عالقة في منطق التنافسية مع المغرب وفرض الهيمنة على إفريقيا؛ على عكس التوجه الجديد للنظام العالمي، الذي لم يعد يحتمل سياسة الهيمنة ويتجه نحو تيار التعددية القطبية التي تعتمد على الشراكة القائمة على مبدأ رابح رابح دون إقصاء أي قوة إقليمية أو فرض شروط سياسية تخدم الطرف الأقوى في الشراكة.

إن هذا الانكماش الفكري الذي تعيشه الجزائر يجعلها دائما حريصة على استحضار المغرب في كل المناسبات وفي المفاوضات الخارجية، حيث تنتقي الشراكة التي تستطيع من خلالها تعزيز عدائها مع المغرب وليس الشراكة التي ستنقذ اليد العاملة في الجزائر. لتلك الغاية يجد الشعب الجزائري نفسه مضطرا إلى محو ارتقائه الاجتماعي في سبيل التصدي للمغرب، كما يُملى عليه من قصر المرادية.

من هنا، نفهم أن الصراع المغربي الجزائري لم يعد يحتمل آليات التفسير السياسي، وأصبح من الضروري اللجوء إلى الدراسة السوسيولوجية وكذا الاستعانة بمفاهيم علم النفس لكي نتمكن من تحليل الممارسة السياسية للجزائر؛ فلم يسبق للمجتمع الدولي أن عرف دولة ترفض رفضا تاما المفاوضات مع أطرف النزاع، ولا ترحب بأي وساطة خارجية. فمثلا روسيا وأوكرانيا اللتان تخوضان حربا عسكرية مهدّدة باستعمال السلاح النووي، لم يصل بهما الأمر إلى أن يخرج أحد المسؤولين السياسيين ليبدي رفضه التام للمفاوضات الدبلوماسية.



لقراءة الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة